(مقالة موجهة للعاملين بالمجال النفسي من معالجين وأطباء، ولكل مهتم بالعلاج النفسي)

يُقال أن رواية إخوة كارامازوف هي تاج روايات الكاتب الروسي المشهور دوستويفسكي، تدور الرواية حول صراع ليس بين الأشخاص كأفراد عائلة وفقط، لكنه صراع قيمي أخلاقي وتحت سقف واحد، الأب رمز الفوضى الأخلاقية، يرى نفسه وشهوته أولاً وما دون ذلك كل الطوفان، وتحت رعايته عدة أبناء، أحدهم عاطفي لكنه يأكله الإندفاع والغريزة، الآخر فلسفي عقلاني لدرجة جامدة، الثالث روحاني لدرجة الرهبنة في المعبد، يرى الشر لكنه يختار الحب والآلهة، والأخير في قارعة كل ذلك ممتلئاً بالعار والإهانة، في أحد اقتباسات الرواية المشهورة يطرح الإبن الفلسفي الفكرة التالية:
.
“”إذا لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح.”” (١)
،
قد يبدو سياق السؤال إيمانياً، لكن هنالك سؤال مخبئ وراء هذه الجملة عنوانه: إن لم يكن الإنسان مؤمن بوجود الآلهة؛ حينها من أين تأتي إلزامية الأخلاق على هذا الإنسان؟، وهكذا الصراع يحتدم في الرواية، صراع يبدأ بالمشاعر ويتقمص رداء اختلاف الأفكار .. وينتهي بالدم! وتخيل معي بعدها مريضك في عيادتك يطرح تساؤلاً أو بالأحرى يقدم لك نموذجاً منتهياً من نقاشه في حساباته يشابه هذا السؤال أو يتوازى معه؟ ماذا يحدث عندما يستفز المريض فينا أعمق قيمنا وأخلاقياتنا وأعمق ما نؤمن به في الوجود؟ إذا كنت معالجاً فأنا أحدثك عن تلك الغصة التي تحدث داخلك، عندما يُعارض مريضك أبسط قيمك وضوحاً في نفسك، وحينها بشكل واعي ربما تطأ على قيمك وتساير مريضك، أو أن تطأ على قيم الطرف الأخر من عيادتك، تلك اللحظة التي تشعر أنك تمارس العلاج النفسي باحترافية بمخالفتك لأبسط معتقداتك مع مريضك، لكن هنالك شيء في داخلك يقول لك: أليس هذا خداعاً لقيمك وذاتك؟، هذا الصراخ الذي يعلو صوته في داخلك لدرجة أنك لا تسمعها وحدك، لكن بالأغلب كذلك مريضك.
.
كلنا نعلم أن اللقاء العلاجي هو في جوهره فضاءٌ حميميٌ يتفاعل فيه عالمان: عالم المعالج بعلمه وخبراته وقيمه، وعالم المريض بمعاناته وتاريخه وثقافته، لكن ما الذي يحدث عندما تصطدم هذه العوالم؟ عندما يمارس المريض سلوكاً أو يعتنق قيماً تتعارض بشكل جذري مع معتقداتك كمعالج نفسي وثقافتك الخاصة؟ هذه المعضلة تمثل واحدة من أكثر التحديات وضوحاً وسكوتاً عنها كذلك في الممارسة السريرية، خصوصاً مع الحقيقة الجوهرية أن العلاج النفسي تقوم قائمته بالعلاقة بين المعالج ومريضه.
.
.
العوالم في غرفة واحدة!
أحد أوراق التحليل النفسي تحدثت عن هذا الديناميكية من الاختلاف وطرحت فكرة لطيفة، ناقشت كابانيس وزملائها في مجلة الأكاديمية للتحليل النفسي وجود ثقافة ثالثة داخل العيادة تؤثر على ثنائية ثقافتي المعالج والمريض (٢)، الثقافة الثالثة هي المدرسة العلاجية ذاتها التي يمارسها المعالج، هذه المدرسة بقيمها الخاصة والتي ترى بنظرتها شكلاً ربما مختلفاً عن ثقافتي المعالج والمريض للصحة والمرض والصحيح والخطأ وهكذا، ولإن العلاجات النفسية الحالية في اغلبها منبثقة من المدرسة التحليلية الفرويدية، فأغلبنا يعلم أن التقاليد التحليلية الأولى غالباً ما قللت من شأن الدين أو تجاهلته، موقف سيقموند فرويد المضاد للدين موثق ومعروف، ويُفهم ذلك في السياق المختبري العلمي بالقرن التاسع عشر، وكذلك تأثير نشأته عليه (٣)، لذلك ليس من المستغرب أن أحد قراءات فرويد يرى فيها أن الدين ليس سوى “العصاب الوسواسي العالمي للإنسانية” (٤).
.
هذا ال(عدم توافق) الذي يحصل ولو بشكل نسبي بسبب ثقافة المدرسة العلاجية في العيادة بين المعالج ومريضه، أياً كانت المدرسة وأياً كانت قيمها، بالطبع له تأثيره ويضيف طبقة إضافية من التعقيد، فالمعالج حينها لا يدافع فقط عن قيمه الشخصية، بل أحياناً عن قيم مدرسته الفكرية التي تنظر إلى بعض الممارسات الدينية أو الثقافية على أنها “دفاعات” أو “مقاومات”، لذلك في ظني القيم حاضرة بشكل لا مناص منه ولو افترضنا أننا لا نوجّه قيم المريض، الإيمان بعدم التوجيه هذا هو (قيمة) في حد ذاته.
.
حدوث التصادم القيمي داخل العيادة بين قيم المعالج (أو قيم مدرسته) وقيم مريضه، قد يؤدي لأمور لا حدود لها، سأتحدث كثيراً عن بعضها بالأسفل، لكن قد يكون من أبرزها أن يتمادى المعالج في دوره العلاجي، يصل الأمر لقيام المعالج بتصرفات تتجاوز الحدود المهنية لتهذيب المريض حسب قيمه الشخصية أو قيم مدرسته العلاجية، محاولاً “إنقاذ” المريض من قيمه أو سلوكياته، مما يخلق تحالفاً مرضياً لا ينصب في مصلحة العلاج الذي يهدف لمعرفة المريض عن ذاته.
.
.
التصادم حياة!
هذا التفاعل البشري في داخل العيادة هو أمر معقد بشكل انصهاري، الظن أن المعالج هو شخص بالإمكان التحكم بمعتقداته وألا يظهرها هو أمر فيه استحالة بسبب هذا الانصهار، التأثير الذي يُحدثه القيم الخاصة بالمعالج هو أمر من الصعب تفاديه سواء كان المعالج متديناً أو حتى عندما لا يمتلك أي اعتقادات دينية راسخة (٥)، هذا الأمر يبدو مكاناً للنقاش والخلاف اذا تصادمت القيم داخل العيادة، لكن أكبر دليل على ثبوتية تأثير قيم المعالج على مريضه هو في حال تشابه عموم القيم بينهما، يبدو منطقياً أن الفعالية العلاجية تعتمد لحد ما على التناغم بين قيم المريض ومعالجه (٦).
،
وهنا نقطة مركزية، هذا الاصطدام القيمي بين المريض ومعالجه ليست دلالة ضعف أو خلل، بل هي علامة حيوية ما يحدث وانسانيته، العلاج النفسي ليس تطبيقاً لآليات محايدة، لكنه علاقة إنسانية حية، أي علاج نفسي يكون فيه اتفاق وسلاسة ناعمة جداً بدون حدوث تصادم داخل العيادة هو علاج نفسي ممتلئ بالدفاعات النفسية المانعة لحدوث تفاعل انساني حقيقي.
.
.
ماذا عن المعالج وأصالته؟
هنا النقطة المحورية من مقالي، وهنا سبب كتابتي، كيف للمعالج أن يتسق انسجاماً مع ذاته أمام شخص يكسر أمراً من أبسط قيم المعالج الشخصية والتي تكوّن هويته؟، الاعتراف بصعوبة المهمة هو أمر يستحق الكثير من التواضع من المعالج، والتواضع هنا صحي للغاية.
نعلم أن تفاصيل اعتقادات المعالج بالخصوص وأي شخص بالعموم – الاعتقادات الدينية مثلاً وليس قصراً – وما يؤمن به هذا الشخص وصراعاته أمام معتقدات الآخرين هي أمور تعلن عن جودة الأنا لدى المعالج وقوتها وعلمه بهويته، هي كذلك تُحدثنا عن سيطرة الأنا العليا لديه، والأهم في سياق مقالنا كذلك عن علاقاته بالآخرين (٧)، أمر بهذا العمق سيكون صعباً أن يكون مخفياً أو محايداً في علاقة إنسانية كعلاقة العلاج النفسي، حتى أن بعض مدارس التحليل النفسي ترى أن الغياب التام لانكشاف المعالج عن نفسه هو أمر مستحيل وقد يكون من الغير مرغوب به (٨)، هذه المنظومة القيمية الخاصة بالمعالج ستكون الغائب بشكل يعيه، لكنه الحاضر بشكل أكبر من وعيه في ذاته، وحاضر بشكل أعنف في اللاموعي من مريضه.
،
هذه القيم بهذا الحضور المكثف من الطبيعي حينها في بعض المدارس العلاجية أن تكون مكشوفة من المعالج بشكل اعلاني، لأجل ذلك، ليس من المستغرب أن أحد توصيات الجمعية الأمريكية لعلم النفس في عام ١٩٩٢ (٩) ذكرت أنه إذا كان المعالج شخصاً ملحداً ومريضه في بداية علاجه سأله عن نظامه الديني أو الروحي، حينها ليس من اللائق أن يختبئ المعالج خلف فكرة “أن لا يكشف عن معتقداته مع مرضاه”، بل بالعكس، هذه الاختلافات يجب أن يكون لها صوت داخل العلاج وتُناقش بشكل مباشر في بداية رحلة العلاقة العلاجية.
،
في الجهة الأخرى، وهي جهة معتبرة ومحورية بشكل لا نقاش فيه، أي انكشاف يقوم به المعالج عن قيمه ومعتقداته حينها مرونة العلاج وعمقه سينالها شيء من التقييد والاختلاف، أي منطقة قيميّة غير معلومة عن المعالج ستقدم للمريض فرصة مهمة لكي يبحر بخياله عن معالجه، هذا الخيال مصحوب بأمنيات المريض ومخاوفه عن ماهية هذا المعالج الماثل أمامه والمحايد في معتقداته، استحضار هذه المخاوف والخيالات الخاصة بالمريض هو أمر شديد الأهمية في العلاج (٨)
،
من هذا المنظور، أي انكشاف يقوم به المعالج عن شخصه وبالخصوص عن قيمه قبل أو أثناء عملية العلاج، عوضاً عن اكتشاف مخاوف مريضه وخيالاته التي من الممكن أن تظهر بشكل أضخم لو كان المعالج محايداً في انكشافه، هذا الانكشاف سيعرّض عملية العلاج لخطر الحياد عن هدفها، وستقوم بإغلاق الباب على فرصة مهمة للمريض لمعرفه ذاته في هذا العالم المتنوع (٨).
،
من بين الانكشاف عن قيم المعالج، وبين حياده بكتم كل قيمه، أين تذهب أصالة المعالج؟ هذا موضوع ضخم للغاية وربما يكون المحرك لي شخصياً في كتابة هذا المقال، وأعلم أنني لن أستطيع تغطيته لإنه ليس الهدف الأساسي من مقالتي، لكنني أملك إيماناً يتزايد مع التجربة والاطلاع، أن يكون المعالج النفسي على اتساق مع ذاته ومعتقداته هو أمر لا فكاك من أهميته، أن تكون متسقاً هو الأمر الذي يجعل هذه المهنة متقدة في داخلك، بل يجعلك في علاقة حية مع مريضك لفهم ما يحدث معه، كما يقول لانغز في ورقته عن سوء التحالف العلاجي “لا يُمكن فهم أزمة المريض بمعزل عن شخصية المعالج نفسه” (١٠)
،
وهنا نقطة مهمة عن أصالة المعالج، في ظني أن أحد أهم حراس فضيلة الأصالة عند المعالج هو ألا يكون المعالج شخصاً آخراً وبتطرف عن ذاته الحقيقة ومعتقداته لأجل مريضه أو لأجل مدرسته العلاجية، أن لا يكون مدافعاً بشدة عن أمر لا يعتقده، ولا أن يهاجم معتقداً هو في ذاته يؤمن بالكثير من تفاصيله فقط لإرضاء شيء لا ينتمي لهويته، بالإمكان أن أيكون أصيلاً في المنتصف بين الانكشاف والاخفاء لهدف علاجي بدون التطرف هنا أو هناك، جوهريٌ أن يصون أصالته وذاته، وهو بذلك يصون مريضه عن زيف العملية كلها، مقدماً له ذات غير حقيقية بالمطلق، وكأن العلاج زاد الطين بلة فوق بلته.
،
،
ماذا عن المريض؟
إن كان المعالج يظن أن اخفاء هذا التصادم في داخله، التصادم بين الكشف عن قيمه التي لا تتماشى مع قيم مريضه، أو كتمها لأجل مريضه أو لأجل المدرسة العلاجية، إن كان يظن المعالج أن إخفاء هذا التصادم هو أمر سهل على المريض عدم ملاحظته، فأملك لهذا المعالج خبراً سيئاً، يرى بعض أهل التحليل النفسي أن من أكثر الرؤى عمقاً في أدبياتهم هي تلك التي يقدمها المحلل آر. دي. هينشلوود في مقاله “المريض المحلل الدفاعي” (١١)، يطرح هينشلوود هنا فكرة عميقة، يرى فيها أن المريض حسّاس بشكل استثنائي للحالة الذهنية لمعالجه، بل إن بعض المرضى “يجعلون حساسيتهم المفرطة لحالة المعالج العقلية تهيمن على مجمل الجلسات العلاجية”، هذا التحليل الدفاعي من المريض تجاه معالجه سيجعل المعالج مكشوفاً عندما يعاني هذا المعالج من أزمة داخلية بسبب تعارض قيم المريض مع قيمه، المريض حينها سيكتشف ذلك – بوعي أو بغير وعي.
،
عند حدوث تصادم المعالج مع قيمه – سواء كان مكشوفاً بشكل معلن أو مخفياً بشكل فاضح – حينها يصف لانغز أن المريض سيقوم بعمل مذهل محاولاً “علاج” معالجه بشكل غير موعي (١٠)، ذلك من خلال تصورات لا موعية غير محدودة لصعوبات معالجه أمام قيمه، بل قد يختبر المريض حساسية المعالج تجاه قضية معينة ويبدأ في “تقديم الرعاية” لهذه الحساسية في داخل معالجه بدلاً من التركيز على أهدافه العلاجية.
،
وماذا عن إنقالات المريض اتجاه معالجه عند حدوث هذا التصادم في داخل معالجه؟
أحياناً كثيرة يصبح المعالج في عين مريضه شخصاِ مُثاليّاً بشكل مفرط، ويبالغ المريض في تقدير معالجه، ويُنظر إليه كشخصية كليّة المعرفة، بطريقة مشابهة لتصوّرات المريض عن الألوهية (١٢)، هذا يحدث لإن المريض في داخله احتياج لشخص شخصية قوية وموثوقة يطمئن إليها، مع هذا المشهد من انقال المريض اتجاه معالجه، لك أن تتخيل ما هو الاهتزاز داخل العيادة الذي يحدث حين اصطدام المعالج ضد قيمه الذاتية أمام مريضه؟.
،
أحد الإنقالات الأخرى من المريض اتجاه معالجه هو رؤيته لمعالجه كأنه “رفيق مناصر” لقضية المريض القيميّة (سواء كانت دينية أو خلافه)، هذا يحدث عند تشابه النظام القيمي بين المريض ومعالجه (١٢)، في الانقال السابق يرى المريض معالجه كأنه فيه شيءٌ من الألوهية فيهتز شيء في داخله إن رأى معالجه العظيم متصادماً ضد منظومته القيميّة الذاتية، وهنا في هذا الانقال الأخير من رؤية المعالج كشخص (ندّ) ورفيق في ذات المنظومة القيميّة، حينها قد يتوقف المريض عن التعبير عن صراعاته النفسية الحقيقية، ويبدأ في التحدث مع المعالج كما لو كانا شخصين متفقين تماماً في كل شيء، وهذا أمر يعيق العملية العلاجية، المريض حينها قد يخجل من الاعتراف بشكوكه أو خطاياه أو صراعاته القيميّة خوفاً من أن يحكم عليه “الندّ” الذي يشبهه، أو قد يتجنب مناقشة مواضيع حساسة يفترض أنها مسلّم بها بينهما، وإذا حصل التصادم القيمي داخل المعالج أمام مريضه الندّ، حينها يصبح الأمر فيه شيء من السقوط والخيانة عن الطائفة القيمية، حينها يسقط المعالج من مرتبة الندّ لرتبة المخالف، رتبة الشخص الي يحتاج إلى توجيه وليس في مكان من يعالج ويوجه.
،
،
ما الحل مع هذا التصادم القيمي ضد قيم مريضك أو ضد قيمك؟
في حالة تصادم ضد قيم المريض، حينها من المهم أن يُستخدم هذا التصادم في منحى علاجي وبشكل حيادي قدر الإمكان، في لحظة التصادم القيمي من الأكيد أن المريض سيستخدم آليات دفاع نفسية مختلفة، مثل الإسقاط أو التماهي الإسقاطي، قد يحاول كما ذكرنا سابقاً أن يعالج المريض معالجه من الداخل، فيجعله يشعر بما يشعر به هو، وحينها من الأغلب أن المعالج يناله الغضب، هل الغضب الذي يشعر به المعالج هو غضبه الحقيقي كشخص يتعارض مع قيم مريضه؟ أم هو غضب المريض الذي لم يستوعبه المريض بعد اتجاه ربما عاره من تصادم القيم في داخله؟
،
في حالة تصادم المعالج مع ذات قيمه في داخله، الحل هنا أمراً قد يحتاج فيه المعالج أن يحلله كثيره مع معالجه الخاص به، لكن كذلك حذر هينشلوود من المعالج الذي يتردد أو يقاوم الاعتراف بأنه يُنظر إليه على أنه مخطئ خوفاً من أن ” يؤكد نظرة مريضه له”. (١١)، حينها أزمة المعالج ليست مجرد معاناة داخلية، بل تصبح جزءاً من الميدان التفاعلي للعلاج، وقد تُستخدم دفاعياً من قبل المريض أو تؤدي إلى إفشال العلاج. الحل لابد أن يمر عبر بوابة احتواء المريض رغم الاختلاف وفهم التصادم.
،
في هذا التصادم القيمي، لا يمكن للمعالج أن يخرج من هذه المأزق بمفرده، الإشراف المهني والعلاج الشخصي ليسا ترفاً، بل ضرورة لفك تشابك خيوط الانقال العكسي الذي يحدث في علاج مرضاه، الهدف النهائي ليس القضاء على الصراع القيمي، بل احتوائه داخل الإطار العلاجي دون التمثيل عليه. هذا هو جوهر الموقف العلاجي الناضج.
،
عندما نبحث علاجياً هذا التصادم القيمي الذي حدث أثناء العلاج مع مرضانا، هذا يعني بالضرورة بعض الانكشاف عن الذات القيمية للمعالج، هذا أمر لا مفر منه، وحينها ما زلت أظن أن هنالك متسع ضخم للتحرك في ذات المريض، فرضاً أنا كشخص مسلم، بالطبع تصوري عن ديني ومعتقدي قد يختلف اختلافاً جذرياً مع مسلم آخر، لذلك ما زال في العلاج متسع ضخم حتى مع انكشاف كل ما رغبنا بشكل شديد في اخفائه.
،
،
بالختام!
ختاماً، أن نُحيد هذا الصدام القيمي بعنف في داخلنا، هذا يعني أننا نلغي وجوده، الغاء شيء من وجود المعالج هو أمر لابد أن يكون له تأثيره السلبي على العلاج برمته.
،