يوم الثلاثاء بعد كل ظهيرة، في تلك العيادة المستطيلة في تصميمها والتي يصدف نادراً أن تكييفها لا يعمل، أجلس مع زملائي بالفريق من الأطباء نستقبل المرضى المصابين باضطرابات الذاكرة وأهاليهم، تعلمّت أنّه من الأخبار المبهجة – في غالب الأحيان – هو خبر شكوى المريض بنفسه من ذاكرته، تلك الشكوى بصيرةٌ باقية، كأن خلايا دماغه تنادي بعضها البعض: “ما زلنا هنا!”.
لكن الثابت من كل الأشياء المتغيرة في عيادتي، ومن بين كل مرضاي، هو القلق من نهايات هذا النسيان ومآلاته، النسيان في أحاديثنا هو أمر يحمل في طياته عبئاً من الخوف، حتى أننا، وبشكل نفسي دفاعي، نقوم بالتقليل من وجعه باستذكار مرض الألزهايمر من باب السخرية، شاهدت بعيني هذا القلق، بدون السخرية الذي تخففه، مخيفة فكرة الفقد، مخيفٌ استمرار النسيان، ومخيفٌ أن نُفقد وما زلنا غير مفقودين، لكن النسيان هو تلك النافذة التي نغلقها كي ننام، ننسى كي نحتمي، كي نتنفس، كي نُحب من جديد.
سأبدأ بأمر وصلت له بعد انتهائي من قراءة عدة مصادر والكثير من التأملات، هذه الأيام، احتضن النسيان وكأنني احتضن مآلي بعد سنين، أعتنق النسيان وكأنه كالظلال للاحتماء من شمس الذكريات الحارقة، أتذاكر وأعيش على فكرة أننا بلا نسيان، عبارة عن كائنات بلا مناطق صغيرة نحتمي بها، نحتمي بالإيمان بشيء نعتمد عليه مع نسيان كل الظنون والشكوك، ننسى كي نستمر ونتمسك بالقليل الذي نتذكره لنمضي، نحن بلا نسيان، كما ذكر نيتشه في مقاله في منفعة ومضرة التاريخ للحياة (١٨٧٤): “تخيّلوا ذلك المثال الأقصى: إنسانًا لا يمتلك على الإطلاق قوة النسيان، إنسانًا مُلزَمًا بأن يرى في كل مكان حالة من الصيرورة؛ مثل هذا الكائن البشري لن يعود يُؤمن بكينونته الخاصة، ولن يعود يُؤمن بنفسه، سيرى كل شيء يتحلّل إلى نقاط متحرّكة وسيضيع هو نفسه في نهر هذه الصيرورة: …. ذلك أن كل فعل يحتاج إلى النسيان، تمامًا كما تحتاج كل حياة عضوية ليس فقط إلى النور، بل وإلى الظلام أيضًا.” (١)
لن أتجه في اتجاه أن النسيان نعمة والديباجة المعتادة مع إيماني بها، لكن سأسلك في حديثي القادم مسلكاً فكريا ونفسياً عن محورية النسيان كأمر نحتاج للانتشاء بحتميته والاحتفال ضمنياً بوجوده، ولو أسعفتكم الذاكرة وخانتكم النسيان ربما قد مررتم بالعديد من الشخصيات والحالات في أدبيات الذاكرة وهنا سأذكر الشخصية المشهورة (فونيس) في الرواية القصيرة للأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، أو (فونيس قوي الذاكرة) (٢) قصة فونيس هي أحد الأمثلة على أدب الفانتازيا حيث أن فونيس ذلك الفتى الأورجواني المنعزل سقط من أحد الأحصنة وأصبح مشلول الجسد لكنه نالته القدرة العجيبة حينها في أن يصبح ذو ذاكرة فولاذية، صار يتذكر كل شيء: شكل السحاب في يوم محدد من طفولته، عدد أوراق الشجر في طريق ما، وصلت به الذاكرة – في الرواية – لتوصيف وتصنيف رقمي في ذكريات طفولته، كان الأمر سرمدياً بشكل قاسي لدرجة تعبيره عن رغبته بالموت، الموت الذي لن يكون بدون طائل بسبب هذه الكمية من الذكريات، يقول فونيس في عرض الرواية: “ذاكرتي، يا سيدي، مثل مقلب القمامة”، الملفت أن كاتب الرواية خورخي يحكى أنه أصبح أكثر إبداعاً في قصصه ورواياته بعدما أصبح كفيفاً، كأنه عندما أجبره القدر على نسيان المرئي حينها أصبح أكثر إبداعاً، وكأن القدر قال له: “لقد كتبتَ عن رجل يرى كل شيء ولا ينسى، فسآخذ منك البصر لتُبصر من خلال النسيان”.
الجانب العصبي:
لو تناولت النسيان من منظور عصبي فالأمر معقد ولم يصل العلم لشيء حتمي بعد، أحد النظريات العصبية التي شدتني تكشف عن وجود ‘آلات نانوية’ جزيئية منفصلة داخل الخلايا العصبية، إحداها للذاكرة والأخرى للنسيان، وكأن الجسد لديه نشاط مخصص للنسيان، هنالك وظيفة محددة تصنع النسيان، والجسم لا يصنع من ذاته أمراً لا يفيده، وهذا أمر يستحق أن نقف عنده، والفائدة هنا – حسب الدراسات – أن هذه الآلية النشطة داخل دماغنا لكي تساعدنا على التخلص من أجزاء المعلومات غير الضرورية لكي نتمكن من الاحتفاظ بالأكثر صلة للتخزين طويل المدى (٣)، هنا النسيان، إذاً، ليس فشلاً في الذاكرة، بل نجاحٌ في عملية الترشيح.
هنالك كذلك تكرار علمي لنظرية عصبية عن النسيان فيها جانب نفساني خفي، النظرية ترى أن النوم يؤدي دورًا محوريًّا في كل من تثبيت الذكريات وطردها (أو نسيانها)، ترى الدراسات أن مرحلة النوم ذي الموجات البطيئة تساعد على توطيد الذكريات المهمة، بينما تعمل في الوقت نفسه على تصفية المعلومات الزائدة عن طريق عملية تُعرف باسم “التحجيم المشبكي” (٤)، هذا التحجيم يصنع النسيان، نحن ننام ليس لأننا نريد الراحة والهروب من جهد الجسد، لكننا ننام وكأن النوم فيه رغبة لا موعية للنسيان.
من الملف كذلك أن النسيان هو عملية عصبية ضرورية للقادم، تكوين خلايا جديدة في الحصين هو أمر ضروري لتكوين ذكريات جديدة لاستبدالها بالقديمة (أو نسيانها والتخلي عن القديم منها) (٥) وكأن النسيان لا يحدث بدون أن يكون هنالك شيء جديد ونافذة مختلفة للحياة، أنت تنسى لإن هناك مفترق طرق جديد يحدث، هذا أمر يستحق بعض الاحتفال، كل هذه العمليات تقول للدماغ أن عليه أن يمضي قدماً في التنازل، على الدماغ أن يتخلى وأن يفقد، عليه أن يتجاوز المخاطر القديمة ويُقدم قليلاً للأمام، لن يحدث إقدام اتجاه مخاوفنا العصيّة على الذاكرة دون أن ننسى، كما قالت أحلام مستغانمي في كتابها (ذاكرة الجسد): “ما النسيان سوى قلب صفحة من كتاب العمر. قد يبدو الأمر سهلًا، لكن ما دُمتَ لا تستطيع اقتلاعها، ستظلّ تعثر عليها في كلّ فصل من فصول حياتك“. (٦)
الجانب النفسي:
أحد أشهر حالات الذاكرة عبر التاريخ هي حالة المريض هنري مولايسون، هذا الرجل – الذي يُعرَف في الأدبيات العلمية بـ “إتش. إم”- أشهر حالة في تاريخ علم الأعصاب، بعد جراحة دماغية عام 1953 لعلاج الصرع تم فيها إزالة الحصين من كلا جهتي دماغه، فقد هنري قدرته على تكوين ذكريات جديدة، محبوساً في لحظةٍ لا تتقدم، لم يعد يتعرف على من يزوره بعد دقائق، كان يعيش كل لحظة وكأنها الأولى، لكنه احتفظ بمهاراته القديمة وذكريات طفولته، صار حاله لغزاً حياً ساهم في اكتشاف الدور المحوري للحُصين في الذاكرة العرضية، وتبرّع بدماغه للعلم بعد وفاته، ليظل إرثه منقوشاً في علم الذاكرة أكثر من أي ذاكرة مؤقتة، وهنا أريد التركيز على وضعه النفسي حيث ذكر جيني أوقدن – أحد علماء النفس الذين أشرفوا على هنري – في مقالة عن هنري: “على الرغم من أن هنري عاش دقيقةً تلو الأخرى دون معرفة واعية بماضيه بعد سنوات طفولته، أو بما قد يحمله مستقبله، إلا أن كل من قابلوه انطبعت في أذهانهم طبيعته المحببة، وحس الدعابة لديه، وذكاؤه.”(٧)، الرجل ينسى كثيراً .. هنري كان سعيداً بذلك!
هنالك ترابط بين النسيان والإبداع وقد يبدو هذا الترابط رومنسياً لكنه منطقي للغاية من ناحية نفسية وعصبية، تخيلوا معي عقلاً لا يمكنه النسيان، حينها لا مفر من إغفال التفاصيل، وعندما لا ننسى الأمور الدقيقة من الأشياء، حينها نقول للعقل أن يبقى منخفضاً مع كل صغائر الأمور، هذا الهبوط بذاكرتنا للأشياء الدقيقة سيجعل عقولنا لا تستطيع استنباط التعميمات من الأمور، يصبح التعميم مستحيلاً بسبب ذاكرتنا الفولاذية، لابد للنسيان أن يجعلنا أكثر قدرةً في فهم العموم من الأمور، من الأمور المختبئة خلف هدية النسيان أن التسلسل الطبيعي من النسيان يجعل عقولنا مرنة بما يكفي لاستنباط السياق، يجعلنا كمن يرى الغابة كلها من أعلى شجرة مرتفعة بين كل الأشجار.
فرويد يرى النسيان كبتاً وكأنه شيء من الفعل الذي يتم تحفيزه بشكل غير موعي، نفعل ذلك حماية لنا من الألم والذكرى، الذكريات هنا ليست مختفية، لكنه غير قابلة لاقتحامها، ذكرى صدمة أو وجع عدم الأمان، ويرى كذلك فرويد احتمالية قمعها بالشكل الواعي فينا، نقمعها إراحةً للقلق فينا من عدم نسيانها، ننسى ما يؤلمنا كي نستمر. ندفع بالذكرى المؤلمة إلى قبو النسيان (اللاموعي) ونغلق الباب عليها، أن نرى – مثلاً – المتحرش أمامنا لكننا نتعامى عمداً عن ذكرى ما حصل بيننا، أن يكتوينا الوجع داخلنا لفقد أحدهم لكننا نقمع هذا الألم نسياناً، وهذه الذكريات قد يخفيها الحذر ووجع ظهورها على السطح، لكنها تأبى أن ينالها النسيان المتعمد فلذلك تظهر عندما تنهار دفاعاتنا النفسية أو تظهر بدفاعات نفسية أخرى، أو على الأقل تظهر في زلات اللسان الفرويدية التي يراها فرويد كالكبت المستمر الغير موعي فينا (٨)
خاتمة:
رومنسيٌ أن يكون النسيان ليس منطقة مخصوصة للدماغ، لكن القلب – كعادته – لابد له من حصة كذلك، يظل النسيان شأناً قلبياً قبل أن يكون شأناً عصبياً، لو رميت فرضية هكذا في السماء بمدى لعنة النسيان، حينها من الأرجح أن أجد المعارضة بمدى نعمته وأن الإنسان سُمّي كذلك لنسيانه، فالنسيان – كما غنت ميادة الحناوي – في الوعي منّا هو نعمة، ولإننا جلبنا أغنية ميادة الحناوي (نعمة النسيان) فمن الإجراء الأكاديمي أن اقتطف منها مقطعاً وأجعله مرجعاً يُهتدى به حينما أكدت أن القلب بفردانيته لا يستطيع النسيان حينما غنت وقالت: “نعمة النسيان .. يا بختك .. أنا اللي بحلم كل ليلة بيك .. كل ليلة .. كل ليلة وواحشني منك كل حاجة .. كل حاجة فيك .. لا بعدك قلبي ناوي يحب من تاني ولا قادر“.
ولإن التراحم هو انعكاس قلب صاحبه، لذلك كيف للتراحم أن يحصل دون أن ننسى، دون أن نتغاضى عمداً أو كبتاً، بل سأكون متجاوزاً حينما أقول كيف لقوة الذاكرة أن يتم التفاخر بها أو الاستمتاع بوجودها بدون أن نجرب لسعة أن ننسى، لا يوجد طريق للذكريات محفوفاً بالورد دون أن يناله رائحة النسيان الزكية، بل حتى الحب في أشد تطرفاته يبدو أنه يتألق ويستفرد بأحدهم عندما (ننسى) كل شيء ما دون أو حول المحبوب، الحب في ذروته هو نسيانٌ بحد ذاته، تنسى العالم من حولك، تنسى نفسك أحياناً، ولا تذكر سوى المحبوب، يقول جلال الدين الرومي عن التلاشي – أو النسيان في قاموسي – التالي:
“ذات يوم كان لي ألف رغبة لكنهم تلاشوا جميعا في رغبتي الأكبر أن أعرفك… أعرفك وحسب…” (٩)
النسيان، في النهاية، هو الوجه الآخر للذاكرة. هو الظل الذي يمنح الضوء معناه. هو الصفحة البيضاء التي نكتب عليها ذكرى جديدة. وهو، ربما، أكبر نعمة وأعظم محنة في آن واحد… كالحب تماماً.
1- Nietzsche, F. (1997). On the uses and disadvantages of history for life. In Untimely meditations (R. J. Hollingdale, Trans., pp. 57-123). Cambridge University Press. (Original work published 1874)
٢- Borges, J. L. (1964). Funes, the memorious. In Labyrinths: Selected stories & other writings (J. E. Irby, Trans., pp. 59-66). New Directions Publishing.
3- Davis RL, Zhong Y. The Biology of Forgetting-A Perspective. Neuron. 2017 Aug 2;95(3):490-503. doi: 10.1016/j.neuron.2017.05.039. PMID: 28772119; PMCID: PMC5657245.
4- Tononi G, Cirelli C. Sleep and the price of plasticity: from synaptic and cellular homeostasis to memory consolidation and integration. Neuron. 2014 Jan 8;81(1):12-34. doi: 10.1016/j.neuron.2013.12.025. PMID: 24411729; PMCID: PMC3921176.
5- Akers KG, Martinez-Canabal A, Restivo L, Yiu AP, De Cristofaro A, Hsiang HL, Wheeler AL, Guskjolen A, Niibori Y, Shoji H, Ohira K, Richards BA, Miyakawa T, Josselyn SA, Frankland PW. Hippocampal neurogenesis regulates forgetting during adulthood and infancy. Science. 2014 May 9;344(6184):598-602. doi: 10.1126/science.1248903. PMID: 24812394.
٦- مستغانمي، أ. (1993). *ذاكرة الجسد*. دار الآداب.
7- Henry Gustav Molaison, “HM” Watts, Geoff. The Lancet, Volume 373, Issue 9662, 456
8- Freud, S. (1960). The psychopathology of everyday life. In J. Strachey (Ed. & Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 6, pp. vii-296). Hogarth Press. (Original work published 1901)
9- Star, Jonathan, translator. Rumi: In the Arms of the Beloved. Foreword by Shahram Shiva, Jeremy P. Tarcher/Putnam, 1997.